اليوم الخامس من “اليوميات الفلسفية” عن الذاكرة بوصفها وطنًا مؤقتًا
كلُّ إنسانٍ يحمل وطنًا صغيرًا في رأسه،
مدينةً لم تعد موجودة إلا في الصور الداخلية،
وأصواتًا لا يسمعها أحد سواه.
ذاك هو معنى الذاكرة — ليست خزانةً للأحداث، بل مكانًا يعيش فينا أكثر مما نعيش فيه.
اليوم، حين مررتُ في شارعٍ قديمٍ تغيّرت ملامحه،
شعرت أنني غريب في المكان الذي كان يومًا بيتًا لي.
كل حجرٍ فيه يذكّرني بشخصٍ لم يعد، أو بحلمٍ انتهى دون وداع.
هكذا تتصرّف الذاكرة:
تحوّل التفاصيل التافهة إلى علامات طريق نحو زمنٍ لم نعد نستطيع العودة إليه.
الذاكرة خادعة، نعم، لكنها رحيمة أيضًا.
إنها تعرف أننا لا نحتمل الحقيقة كاملة،
فتُعيد صياغة الماضي كما لو كان حكايةً يمكن احتمالها.
وكلّما ظننا أننا نتذكّر، نكون في الحقيقة نخترع شكلاً جديدًا للحنين.
أتساءل أحيانًا: هل نحن الذين نحتفظ بالذكريات،
أم هي التي تحتفظ بنا كي لا نضيع؟
ربما الذاكرة كائنٌ غامضٌ يتغذّى على مشاعرنا القديمة،
وتتركنا نعيش وهم السيطرة، بينما هي التي تكتبنا سطرًا بعد آخر.
في المساء، فتحت ألبوم صورٍ قديم.
رأيت وجوهًا كانت تملأ حياتي، صارت الآن مجردَ انعكاساتٍ على ورقٍ أصفر.
ومع ذلك، شعرت بالامتنان.
فالذاكرة — مهما أوجعت — تذكّرني أنني كنتُ يومًا حيًّا بما يكفي لأخسر.
كتبت في نهاية اليوم:
> "الذاكرة وطنٌ نُقيم فيه بلا جواز سفر، لكننا نُنفى منه كلّ ليلةٍ ونحن نحلم."
